ثانيهما أن قوله {إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} يعلق وقوع النسيان على مشيئة الله إياه. والمشيئة لم تقع بدليل ما مر بك من نحو قوله: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} . وإذا فالنسيان لم يقع للعلم بأن عدم حصول المعلق عليه يستلزم عدم حصول المعلق. فالذي عنده ذوق لأساليب اللغة ونظر في وجوه الأدلة لا يتردد في أن الآية وعد من الله أكيد بأن الرسول يقرئه الله فلا ينسى وعدا منه على وجه التأييد من غير استثناء حقيقي لوقت من الأوقات.
وإلا لما كانت الآية مطمئنة له عليه الصلاة والسلام ولكان نزولها أشبه بالعبث ولغو الكلام.
قال العلامة المرحوم الشيخ محمد عبده عند تفسيره للاستثناء في هذه الآية ما نصه: ولما كان الوعد على وجه التأبيد واللزوم ربما يوهم أن قدرة الله لا تسع غيره وأن ذلك خارج عن إرادته جل شأنه جاء بالاستثناء في قوله: {إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} فإنه إذا أراد أن ينسيك شيئا لم يعجزه ذلك فالقصد هو نفي النسيان رأسا. وقالوا: إن ذلك
كما يقول الرجل لصاحبه أنت سهيمي فيما أملك إلا ما شاء الله لا يقصد استثناء شيء وهو من استعمال القلة في معنى النفي. وعلى ذلك جاء الاستثناء في قوله تعالى في سورة هود {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} أي غير مقطوع. فالاستثناء في مثل هذا للتنبيه على أن ذلك التأبيد والتخليد بكرم من الله وسعة جود لا بتحتيم عليه وإيجاب وأنه لو أراد أن يسلب ما وهب لم يمنعه من ذلك مانع.
وما ورد من أنه صلى الله عليه وسلم نسي شيئا كان يذكره فذلك إن صح فهو في غير ما أنزل الله من الكتاب والأحكام التي أمر بتبليغها. وكل ما يقال غير ذلك فهو من مدخلات الملحدين التي جازت على عقول المغفلين فلوثوا بها ما طهره الله فلا يليق بمن يعرف قدر صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم ويؤمن بكتاب الله أن يتلق بشيء من ذلك ا هـ.
ذلك رأي في معنى الاستثناء وثمة وجه آخر فيه وهو أنه استثناء حقيقي غير أن المراد به منسوخ التلاوة دون غيره ويكون معنى الآية أن الله تعالى يقرئ نبيه فلا ينسيه إلا ما شاءه وهو ما نسخت تلاوته لحكمة من الحكم التي بينها العلماء في مبحث النسخ. والدليل على هذا قوله سبحانه في سورة البقرة: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} قال العلامة أبو السعود في تفسيره: وقرئ ما ننسخ من آية أو ننسكها وقرئ ما ننسك من آية أو ننسخها والمعنى أن كل آية نذهب بها على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من إزالة لفظها أو حكمها أو كليهما معا إلى بدل أو إلى غير بدل {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} أي نوع آخر هو خير للعباد بحسب الحال في النوع والثواب من الذاهبة. وقرئ بقلب الهمزة ألفا أو مثلها أي فيما ذكر من النفع والثواب ا هـ ما أردنا نقله.@
Post Top Ad
الأربعاء، 17 فبراير 2021
220 مناهل العرفان في علوم القرآن الصفحة
التصنيف:
# مناهل العرفان في علوم القرآن
عن Tech News
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق